عبد الرحمن بن ناصر السعدي

606

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

يرى الماء الذي تحتها ، كأنه بذاته ، يجري ، ليس دونه شيء . * ( وكشفت عن ساقيها ) * لتخوضه ، وهذا أيضا من عقلها ، وأدبها ، فإنها لم تمتنع من الدخول للمحل ، الذي أمرت بدخوله ، لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام وأن ملك سليمان وتنظيمه ، قد بناه على الحكمة ، ولم يكن في قلبها أدنى شك ، من حالة السوء بعد ما رأت ، ما رأت . فلما استعدت للخوض قيل لها * ( إنه صرح ممرد ) * أي : مجلس * ( من قوارير ) * فلا حاجة منك لكشف الساقين . فحينئذ لما وصلت إلى سليمان ، وشاهدت ما شاهدت ، وعلمت نبوته ورسالته ، ثابت ورجعت عن كفرها ، و * ( قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) * . فهذا ما قصه الله علينا ، من قصة ملكة سبأ ، وما جرى لها مع سليمان ، وما عدا ذلك من الفروع المولدة ، والقصص الإسرائيلية ، فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله ، وهو من الأمور ، التي يتوقف الجزم بها ، على الدليل المعلوم عن المعصوم . والمنقولات في هذا الباب كلها ، أو أكثرها ، ليس كذلك . فالحزم كل الحزم ، الإعراض ، عنها ، وعدم إدخالها في التفاسير والله أعلم . * ( ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون * قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون * وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون * قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون * ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) * يخبر تعالى أنه أرسل إلى ثمود ، القبيلة المعروفة ، أخاهم في النسب ، صالحا ، وأنه أمرهم ، أن يعبدوا الله وحده ، ويتركوا الأنداد والأوثان . * ( فإذا هم فريقان يختصمون ) * منهم المؤمن ، ومنهم الكافر ، وهم معظمهم . * ( قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ) * أي : لم تبادرون فعل السيئات ، وتحرصون عليها ، قبل فعل الحسنات ، التي بها تحسن أحوالكم وتصلح أموركم الدينية والدنيوية ؟ والحال أنه لا موجب لكم ، إلى الذهاب لفعل السيئات ؟ * ( لولا تستغفرون الله ) * بأن تتوبوا من شرككم وعصيانكم ، وتدعوا أن يغفر لكم . * ( لعلكم ترحمون ) * فإن رحمة الله قريب من المحسنين ، والتائب من الذنوب ، هو من المحسنين . * ( قالوا ) * لنبيهم صالح ، مكذبين ومعارضين : * ( اطيرنا بك وبمن معك ) * ، زعموا قبحهم الله أنهم لم يروا على وجه صالح خيرا ، وأنه ، هو ومن معه ، من المؤمنين ، صاروا سببا لمنع مطالبهم الدنيوية . فقال لهم صالح : * ( طائركم عند الله ) * أي : ما أصابكم الله ، بذنوبكم ، * ( بل أنتم قوم تفتنون ) * بالسراء والضراء ، والخير والشر ، لينظر هل تقلعون وتتوبون ، أم لا ؟ فهذا دأبهم في تكذيب نبيهم ، وما قابلوه به . * ( وكان في المدينة ) * التي فيها صالح ، الجامعة لمعظم قومه * ( تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) * أي : وصفهم الإفساد في الأرض ، ولا لهم قصد ، ولا فعل بالإصلاح ، قد استعدوا لمعاداة صالح ، والطعن في دينه ، ودعوة قومهم إلى ذلك ، كما قال تعالى : * ( فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) * . فلم يزالوا بهذه الحال الشنيعة ، حتى إنهم من عداوتهم * ( تقاسموا ) * فيما بينهم ، كل واحد ، أقسم للآخر * ( لنبيتنه وأهله ) * أي : لنأتينهم ليلا ، هو وأهله ، فلنقتلنهم . * ( ثم لنقولن لوليه ) * إذا قام علينا ، وادعى علينا ، أنا قتلناهم ، ننكر ذلك ، وننفيه ونحلف . * ( ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) * فتواطؤوا على ذلك . * ( ومكروا مكرا ) * دبروا أمرهم ، على قتل صالح وأهله ، على وجه الخفية ، حتى من قومهم ، خوفا من أوليائه . * ( ومكرنا مكرا ) * بنصر نبينا صالح ، عليه السلام ، وتيسير أمره ، وإهلاك قومه المكذبين * ( وهم لا يشعرون ) * . * ( فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ) * هل حصل مقصودهم ؟ وأدركوا بذلك المكر مطلوبهم ، أم انتقض عليهم الأمر . ولهذا قال : * ( أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) * أهلكناهم ، واستأصلنا شأفتهم . فجاءتهم صيحة عذاب ، فأهلكوا عن آخرهم . * ( فتلك بيوتهم خاوية ) * قد تهدمت جدرانها على سقوفها ، وأوحشت من ساكنيها ، وعطلت من نازليها . * ( بما ظلموا ) * أي : هذا عاقبة ظلمهم وشركهم بالله ، ويغيهم في الأرض . * ( إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) * الحقائق ، ويتدبرون وقائع الله ، في أوليائه وأعدائه فيعتبرون بذلك ، ويعلمون أن عاقبة الظلم ، الدمار والهلاك ، وأن عاقبة الإيمان والعدل ، النجاة والفوز . ولهذا قال : * ( وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) * أي : أنجينا المؤمنين بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ، خيره ، وشره ، وكانوا يتقون الشرك بالله ، والمعاصي ، ويعملون بطاعته ، وطاعة رسله . * ( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين ) * أي : واذكر عبدنا ، ورسولنا ، لوطا ، ونبأه الفاضل ، حين قال